Untitled

بدعوةٍ من معهد التنمية الأفريقي بجامعة كورنيل الأمريكية بولايةنيويورك قدم الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، الخبير الدولي لقوانين وسياسات المياه، محاضرةً يوم الخميس 23 أبريل عام 2015 بعنوان: “مياه النيل – مصدرٌ للتعاون أم عاملٌ للنزاعات؟” وقد شمل الحضور عدداً كبيراً من الأساتذة وطلاب الدراسات العليا بجامعة كورنيل الذين شاركوا بحماسٍ في النقاش وتبادل الآراء.وأدار الجلسة البروفيسور مونا ندولو مدير المعهد.

بدأ د. سلمان محاضرته  القيمة بعرضٍ موجزٍ عن الجغرافيا السياسية لنهر النيل – إنه أطول نهرٍ في العالم (حوالي 6,660 كيلومتر)، ينبع أحد روافده (النيل الأبيض) من ثاني أكبر بحيرة في العالم (فكتوريا)، ويمر عبر انسيابه بأكبر المستنقعات في العالم (السُد بجنوب السودان). قامت على ضفافه أقدم وأعرق الحضارات، وانتشرت عبر حوضه الديانات السماوية الثلاثة – اليهودية والمسيحية والإسلام،بفروعها وطوائفها المختلفة. يمتاز الحوض بالتنوّع في سكانه بين عرب وأفارقة وأقباط ونوبيين، وبالديانات وتنوّعها، وباللغات المتعدّدة والتي تشمل العربية والإنجليزية والفرنسية والسواحيلية والأمهرية. بُنِيتْ على جانبي النهر أقدم وأكبر السدود في العالم، بدءاً بخزان أسوان، ومروراً بخزان سنار ثم السد العالي، وانتهاءً بسد النهضة. وتم عقد عددٍ كبيرٍ من الاتفاقيات والتي أصبحت مصدراً للنزاعات والخلافات، بدلاً من أن تكون الجسر الرابط للتعاون بين دول الحوض.

انتقل د. سلمان في الجزء الثاني من المحاضرة إلى تاريخ النزاعات حول استخدامات مياه الحوض، وتعرّض بالتفصيل لاتفاقيات الأعوام 1902، و1929 و1959، وناقش نقاط النزاع والضعف حول هذه الاتفاقيات. وسرد د. سلمان محاولات التعاون بدءاً بمشروع المسح المائي في ستينيات القرن الماضي، ومروراً بلقاءات الأندوغو (الأخوّة)، ثم النيل الفني، ومؤتمرات النيل لعام 2000.

 

انتقل د. سلمان في الجزء الثالث من المحاضرة إلى نشأة مبادرة حوض النيل عام 1999 والإنجازات التي نتجت عنها، ثم البدء في الانشقاقات بسبب الخلافات حول اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل (اتفاقية عنتبي). وتعرّض بالنقاش للمواد الأساسية لاتفاقية عنتبي، والخلافات على ثلاث قضايا أساسية حولها، تمثّلت في مسألة الأمن المائي وإصرار مصر والسودان على تضمين الاتفاقية للاستخدامات والحقوق القائمة للدولتين، والمطالبة بتضمين مبدأ الإخطار المسبق، وتعديل الاتفاقية بالإجماع وليس بالأغلبية. وقد أوضح د. سلمان أن ستَّ دولٍ قد وقّعت على الاتفاقية حتى الآن (كينيا ويوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وبوروندي ورواندا)، وأن ثلاثاً منها قد صادقت على الاتفاقية (إثيوبيا ورواندا وتنزانيا). كما أشار إلى أن اتفاقية عنتبي تحتاج إلى تصديق ست دول لتدخل حيز النفاذ، مما يجعل إمكانية دخول الاتفاقية حيز النفاذ مسألة زمنٍ لا أكثر ولا أقل.

تعرّض د. سلمان في الجزء الرابع من المحاضرة لسد النهضة الإثيوبي الذي بدأ العمل فيه في شهر أبريل عام 2011، أثناء انشغال مصر بثورة يناير عام 2011. أوضح أن السد يقع على النيل الأزرق على بعد 20 كيلومتر من الحدود السودانية، ويبلغ ارتفاعه 145 متر، وتخزّن بحيرته 74 مليار متر مكعب، ويُتوقّع أن يولّد عند اكتماله 6,000 ميقاواط من الكهرباء، وسوف يكلّف بناؤه قرابة خمسة مليار دولار. ناقش د. سلمان الخلافات الحادة التي نشبت بين إثيوبيا من جهة ومصر والسودان من الجهة الأخرى حول السد، والاجتماعات السبعة لوزراء المياه في الدول الثلاث خلال الأربعة أعوام الماضية، وما نتج عنها من قبولٍ تدريجي لسد النهضة بواسطة السودان ومصر. وقد تمّت ترجمة ذلك القبول في اتفاقية إعلان المبادئ حول سد النهضة التي تم التوقيع عليها في 23 مارس عام 2015، قبل شهرٍ من المحاضرة، بواسطة رؤساء الدول الثلاثة أنفسهم – الرئيس عبد الفاتح السيسي، والرئيس عمر البشير، ورئيس الوزراء هيلاماريام ديسالين.

شرح د. سلمان المبادئ العشرة التي تضمنتها اتفاقية إعلان المبادئ، وأوضح أن ستةً من هذه المبادئتتعلّق بالقانون الدولي للمياه، بينما تختصُّ الأربعة الأخرى بسد النهضة، وترتبط ارتباطاً مباشراً بالمبادئ الستة الأخرى المتعلقة بالقانون الدولي. شملت مبادئ القانون الدولي الستة التي تناولتها الاتفاقية: التعاون، عدم التسبّب في ضررٍ ذي شأن، الانتفاع المنصف والمعقول، تبادل المعلومات والبيانات، السيادة ووحدة إقليم الدولة، والتسوية السلمية للمنازعات. أما الفقرات الأربعة التي تتعلّق بالسد فقد تناولت أغراض السد ، وسلامته، وملء البحيرة، وبيع وشراء كهرباء السد بواسطة مصر والسودان. وقد أوضحت الاتفاقية وأكّدت هذه الفقرات بجلاء قبول مصر والسودان لقيام سد النهضة.

أوضح د. سلمان أن الاتفاقية أكّدت مراراً وتكراراً المبدأ الاساسي الذي تنبني عليه إدارة الموارد المائية الدولية، وهو مبدأ التعاون. وهذا هو المبدأ الذي تُدار به معظم الأحواض المائية المشتركة في العالم اليوم، لكنه ظل غائباً عن حوض النيل حتى لحظة توقيع الاتفاقية في 23 مارس عام 2015. وينبني التعاون بمقتضى الاتفاقية على التفاهم والمنفعة المشتركة للدول الثلاثة، وحسن النوايا، ومبادئ القانون الدولي، وتفهّم الاحتياجات المائية بين دول المنبع ودول المصب.

أضاف د. سلمان أن الاتفاقية عالجت مخاوف السودان المتعلقة بسلامة السد، ومصر المتعلقة بفترة ملء البحيرة. فقد أشادت الاتفاقية بما قامت به إثيوبيا حتى ذلك اليوم في مسألة سلامة السد، وبموافقة إثيوبيا تطبيق توصيات اللجنة الدولية بخصوص سلامة السد، وكذلك تطبيق توصيات الدراسة المتعلقة بتأثيرات السد على مصر والسودان، بما في ذلك فترة ملء البحيرة.

اختتم د. سلمان محاضرته بتوضيحه أن المبدأ الأساسي للمياه الدولية هو مبدأ التعاون في إدارة الحوض المشترك وحمايته والمشاركة في منافعه. وأشار إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية (التي دخلت حيز النفاذ في شهر أغسطس عام 2014) تتضمّن كلمة “تعاون” ومشتقاتها خمس عشرة مرة. وأوضح أنه يمكن بالتعاون الجاد الاستفادة الكبرى من مياه النيل رغم محدوديتها، وتفعيل إمكانيات الحوض الضخمة لفائدة سكان دول الحوض الذين يتجاوز عددهم 250 مليون نسمة، والذين يعانون من الفقر والجوع والعطش والظلام. وتتمثّل هذه الإمكانيات الضخمة لحوض النيل في الطاقة الكهربائية الكبيرة في إثيوبيا، وأراضي الري الشاسعة في السودان وجنوب السودان، والثروة السمكية المتزايدة في بحيرة فكتوريا، ومياه مستنقعات جنوب السودان الضخمة، وإمكانيات مصر المتقدّمة في مجال الصناعات الغذائية. وأشار إلى أن اتفاق إعلان المبادئ هو بدايةٌ طيبةٌ للتعاون، لكن يجب أن يتوسّع من ثلاثيته ليشمل كل دول حوض النيل، ومن سد النهضة ليشمل مشاريع مشتركة التمويل والإدارة والمنافع بين جميع دول الحوض.

تطرّق النقاش إلى عدّة قضايا منها إلزامية الاتفاقيات السابقة حول نهر النيل، ومستقبل اتفاقية عنتبي على ضوء الاتفاق حول سد النهضة، ودور القوى الإقليمية والدولية والمنظمات المالية العالمية في حوض النيل وفي تفعيل اتفاقية إعلان المبادئ ومساعدة دول الحوض. وتطرّق كذلك إلى دور المؤسسات الأكاديمية المحلية والدولية في القيام بالدراسات المختلفة حول حوض النيل وقضاياه المتشعّبة. وقد كان هناك إجماعٌ من الحضور عن غزارة المعلومات التي شملتها المحاضرة، وأصالة الأفكار وعمق التحليل الذي قدّمه المحاضر.

الجدير بالذكر أن هذه المحاضرة هي الحادية عشر، والأخيرة، في سلسلة المحاضرات التي نظّمها معهد التنمية الأفريقي بجامعة كورنيل خلال العام الدراسي الحالي تحت مظلة برنامجه الذي أطلق عليه “الموارد الطبيعية في أفريقيا – التسريع بالتنمية الاقتصادية من خلال الإدارة المسئولة للموارد.”وقد تنوّعت المواضيع التي تم تناولها المعهد خلال البرنامج، وشملت قضايا الأراضي، والزراعة، والأمن الغذائي، والغابات، والحياة البرية، والمعادن، والنفط، والبيئة، والمياه.

لمزيد من المعلومات عن معهد التنمية الأفريقي بجامعة كورنيل وبرنامج “الموارد الطبيعية في أفريقيا” يمكن مراجعة الربط:

http://www.salmanmasalman.org/wp-content/uploads/2015/05/iad_einaudi_cornell_edu_node_8351.pdf 

 http://www.salmanmasalman.org/wp-content/uploads/2015/05/cornell-press-release.pdf 

أحمد حسين آدم
باحث زائر  – معهد التنمية الأفريقي بجامعة كورنيل

إثكا-نييورك
ابريل ٢٣